تخيلوا هذا المشهد: «امرأة شابة، خشية ألا تنجو، خرجت من بين الحشد وسلمت رضيعها إلى إحدى الطبيبات». بهذه الكلمات استحضرت الممرضة اليهودية الأمريكية إيلين سيغل لحظة عاشتها في مخيمي صبرا وشاتيلا، أحد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين الرسمية في لبنان، والحي المجاور له.

 

وكانت سيغل قد تطوعت للذهاب إلى لبنان ممرضةً لمساعدة الفلسطينيين والمدنيين اللبنانيين الذين علقوا وسط الغزو الإسرائيلي عام 1982، وكانت تعمل في مستشفى غزة بمنطقة صبرا عندما بدأت المجزرة، ويستعيد الدكتور مصطفى فتوري، كاتب المقال الذي نشره موقع ميدل إيست مونيتور، شهادتها بوصفها واحدة من الشهادات التي وثقت الوجه الإنساني للمأساة.

 


صبرا وشاتيلا وشهادة تكشف ثمن الإفلات من العقاب


في 18 سبتمبر، وبينما كانت سيغل وغيرها من العاملين الطبيين الأجانب يُجبرون على مغادرة المستشفى على يد مسلحي الكتائب اللبنانية، شاهدت زميلتها الطبيبة المتطوعة سوي أنغ تحمل الرضيع لمسافة قصيرة قبل أن يوقفها أحد المسلحين، وينتزع الطفل منها، ثم يعيده إلى والدته.


وتقول سيغل إن النساء والأطفال كانوا متجمعين حول بعضهم تحت حراسة رجال مسلحين، بينما كانت جثث القتلى ملقاة في الشوارع.


ويصادف الأسبوع المقبل، 17 سبتمبر، اليوم الثاني لمجزرة صبرا وشاتيلا، التي بدأت في 16 سبتمبر 1982 وانتهت في 18 منه، أي قبل 44 عامًا.

 

واستمرت المجزرة نحو 43 ساعة، ونفذها مسلحو الكتائب اللبنانية بينما أحاطت القوات الإسرائيلية بالمنطقة وسيطرت عليها. ولا يزال العدد الدقيق للمدنيين الذين قتلوا موضع خلاف، إذ تتراوح التقديرات بين عدة مئات وأكثر من ثلاثة آلاف، بينما ترفع مصادر فلسطينية العدد إلى أكثر من 3500 قتيل.


واكتسب المشهد وقعًا أكثر رعبًا بالنسبة إلى سيغل، وهي يهودية أمريكية نشأت في ظل ذاكرة المحرقة. واستعادت في شهادتها صورة الأمهات اليهوديات في ألمانيا وبولندا وهن يسلمن أطفالهن الرضع إلى غرباء في محاولات يائسة لإنقاذهم من الإبادة. وكانت قد تعلمت أن مشاهدة الظلم تفرض على الإنسان أن يتحدث ويشهد عليه.


وفعلت سيغل ذلك بالفعل؛ ففي أكتوبر 1982 قدمت إفادة من 12 صفحة وثقت فيها ما شاهدته، وفي الأول من نوفمبر/تشرين الثاني أدلت بشهادتها أمام لجنة كاهان الإسرائيلية للتحقيق. وخلص تقرير اللجنة الصادر عام 1983 إلى تحميل وزير الدفاع آنذاك أرييل شارون مسؤولية شخصية عن عدم منع المجزرة، وأوصى بإبعاده عن منصبه. لكن التحقيق لم يفضِ إلى ملاحقات أو اتهامات جنائية.


ورغم تنحي شارون عن منصب وزير الدفاع، بقي داخل الحكومة وزيرًا بلا حقيبة، وحافظ على موقعه في قلب السلطة الإسرائيلية، ثم أصبح لاحقًا رئيسًا للوزراء. وبعد ذلك قاد حصار رام الله، وارتبط على نطاق واسع بملابسات مقتل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات.


ولم تكن الفظائع التي شهدتها سيغل حادثة استثنائية معزولة، بل شكلت مؤشرًا مبكرًا إلى نمط يسمح بمعاناة المدنيين الفلسطينيين بإثارة الغضب وتوثيق الانتهاكات من دون أن تقود بالضرورة إلى محاسبة حقيقية. وقد نقلت شهادتها الكلفة الإنسانية للإفلات من العقاب بصورة شديدة الخصوصية: أم مذعورة تسلم رضيعها إلى غريبة على أمل أن تنقذ حياته.


ولا تكمن مأساة شهادتها في رعب سبتمبر 1982 وحده، بل أيضًا في ما أعقبه؛ أي الفجوة بين ما عرفه العالم وما كان مستعدًا لفعله. وعلى مدى العقود الأربعة التالية، أصبحت تلك الفجوة سمة بارزة في الاستجابة الدولية لمقتل المدنيين الفلسطينيين.

 


من صبرا وشاتيلا إلى غزة: التاريخ يعيد إنتاج الإفلات من العقاب


يكشف حجم الدماء التي أريقت بين المدنيين جوهر السؤال المتعلق باللامبالاة الدولية. ففي سبتمبر 1982، قُتل آلاف الفلسطينيين العزل خلال ثلاثة أيام داخل المساحة الضيقة لصبرا وشاتيلا، وجُمعت جثامين الضحايا على عجل إلى درجة أن مقابر جماعية حُفرت قبل التعرف إلى كثير من القتلى.


واليوم، تنتقل الصورة إلى غزة، حيث يقول المقال، إن الإبادة الجماعية المنظمة أودت بحياة أكثر من 74 ألف شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال. ومع ذلك، ترددت النخب السياسية والمؤسسات القانونية الغربية آنذاك والآن في استخدام مصطلح «الإبادة الجماعية» والوفاء بالالتزامات القانونية المترتبة عليه.


وفي عام 1982، جرى تقديم المجزرة باعتبارها «مذبحة» أو «فظاعة» محلية، بعيدًا عن الثقل القانوني لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، بما يسمح بتجنب المسؤولية الدولية الإلزامية عن التدخل. واليوم، ورغم التحذيرات الصريحة التي أصدرها خبراء الأمم المتحدة والنتائج الأولية للمحاكم الدولية، يكرر قادة العالم المناورات الخطابية نفسها.


وبينما تقدم خطوات رمزية، مثل الاعتراف بالدولة الفلسطينية، فإنها لا تحقق ما يكفي من المساءلة الفورية. وتظل القوى الغربية غير مستعدة لإجبار إسرائيل على إنهاء احتلالها أو ضمان محاسبة قادتها العسكريين وجنودها، حتى في إطار القوانين المحلية التي تحرم الضحايا الفلسطينيين بصورة متكررة من العدالة.


وكان ينبغي تنفيذ أوامر الاعتقال التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024 بحق كبار المسؤولين الإسرائيليين فورًا، لكن قوى سياسية كبرى استهدفت المحكمة نفسها بدلًا من تنفيذ أوامرها.


وعندما سافرت سيغل إلى القدس للإدلاء بشهادتها، كانت مدفوعة بقناعة متجذرة في الذاكرة التاريخية لشعبها. وكتبت لاحقًا: «هلك ستة ملايين يهودي لأن أحدًا لم يتحدث».


وثقت سيغل بأن منح الرعب وجهًا وصوتًا سيجبر على تحقيق لحظة حقيقية من المساءلة القضائية. لكن لجنة التحقيق تحولت في جوهرها إلى آلية لحماية المؤسسة وإدارة الأضرار. فعلى الرغم من إقرارها بمسؤولية إسرائيل «غير المباشرة» ودفعها شارون إلى الاستقالة إداريًا، قللت اللجنة من قيمة شهادات العاملين الطبيين الدوليين وشككت في حيادهم، بينما أبقت القيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية بعيدة عن الملاحقة الجنائية.


وبدلًا من تحقيق العدالة، أرست اللجنة نموذجًا للتحقيق الذاتي الذي تديره الدولة؛ نموذجًا يقدم صورة استعراضية عن التأمل الأخلاقي أمام الحلفاء الغربيين، بينما يضمن عدم تعرض المسؤولين عن المجزرة لعقوبة قانونية حقيقية.

 


غزة والمحاسبة الدولية: أربعة عقود من الفشل


بعد أربعة عقود، يقدم جيل جديد من العاملين الطبيين الدوليين في غزة شهادات مروعة ومتشابهة، بينما تستهدفهم القوات الإسرائيلية بصورة مباشرة خلال حملة يقول المقال إنها أدت إلى مقتل أكثر من 1580 من العاملين في القطاع الصحي، وإصابة مئات آخرين، وإغلاق معظم المنشآت الطبية.


لكن إسرائيل، خلافًا لما جرى عام 1982 حين اضطرت إلى تشكيل لجنة تحقيق داخلية، لا تبدي اليوم استعدادًا حتى للاستماع إلى هذه الشهادات. وعندما يتحدث العاملون الطبيون أمام وسائل الإعلام الدولية، ترد إسرائيل، بحسب الكاتب، باتهامهم بمعاداة السامية.


وبعد 44 عامًا على صبرا وشاتيلا، تطورت هياكل القانون الدولي بصورة كبيرة، وعلى رأسها إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، لكن واقع المدنيين الفلسطينيين لم يتحسن بصورة توازي هذا التطور. فمن الإبادة الجماعية المستمرة في غزة إلى هجمات المستوطنين المدعومة من الدولة في أنحاء الضفة الغربية المحتلة، يظل الإفلات الإسرائيلي من العقاب بلا قيود فعالة.


ولو تحرك المجتمع الدولي بحزم حقيقي قبل 44 عامًا وحاسب إسرائيل بصرامة، لربما كسر منظومة الإفلات من العقاب قبل أن تتيح وقوع الكوارث الحالية. فالفشل في تحقيق العدالة عام 1982 لم يترك الجرائم الماضية بلا عقاب فحسب، بل مهد الطريق بصورة مباشرة للدمار الذي تشهده المنطقة اليوم.


ويرى فتوري أن مأساة صبرا وشاتيلا لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها صفحة منفصلة من التاريخ، بل باعتبارها نقطة في مسار طويل من غياب المساءلة. فالفارق بين معرفة الجرائم والتحرك لوقفها ظل قائمًا لعقود، فيما يدفع المدنيون الفلسطينيون الثمن.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20260910-from-sabra-and-shatila-to-gaza-the-cost-of-impunity/